رحلة إلى لندن
هاهو أخيرا في لندن و"البيغ بان" إحدى عجائب الدنيا السبع أمامه و هاهو هدفه يتحقّق! لم يبق له إلا أن يشعل سيجارته المحلّيّة الصنع ويقشّر حبّات عبّاد الشّمس السّوداء التي حرص على اصطحابها معه من بلاده فهو لا يحسّ بالرّاحة إلّا بنفث دخان السّجائر أو تفل قشور حبّات عبّاد الشّمس من حوله.
اعتدل في جلسته على مقعد في حديقة عموميّة وأخذ يدخّن ببطء و متعة كبيرة فأخذته الذّكريات إلى أيّام المدرسة.
كان تلميذا نجيبا و مجتهدا في كل المواد التي درسها.منذ بداية حياته المدرسيّة وهو يحصد الجوائز و شهادات التقدير الّتي كانت تنبئ بمستقبل مشرق لطفل ينحدر من عائلة بسيطة على المستويين الماديّ و العلميّ.غير أنّ الأفق سرعان ما أخذ يضيق أمامه حالما تحصّل على الشهادة الابتدائية بتفوّق ولم يستطع أن يلتحق بمعهد ثانوي تدرّس فيه شعب علميّة رغم أنّ معدّله كان يخوّل له ذلك . فمثل هذه المعاهد لا توجد في قرية صغيرة كالقرية التي يعيش فيها مع أهله. كان عليه أن يستعمل وسيلة نقل ليسافر يوميّا بين قريته والمدينة أو أن يتنقّل ليعيش في مبيت بالمعهد. وفي كلا الحالتين كان عليه أن يدفع مقابلا مادّيّا لم يكن بإمكانه أن يدفعه. عجز عن فعل ذلك لقلّة ذات يد والده الذي أخذ يردّد ويعيد نفس الكلام كلّما ترجّاه ابنه أن يوفّر له معلوم التنقّل إلى ذلك المعهد أو المبيت فيه " مابها الشّعب الأدبيّة أليست فيها موادّ تدرّس وشها ئد تسند للمتفوّقين؟"
لم يكن أمام فريد سوى القبول بشعبة الآداب في معهد قريب من بيته يذهب إليه ويعود منه مترجّلا. كان يدرس وينجح دون تعب أو عناء. كثيرا ما كان أساتذته يثنون على ذكائه و تفوّقه وكثيرا ما كان زملاؤه يحسدونه على ذلك ولكنّه لم يكن يحس بطعم النّجاح و بلغ به الأمر حدّ الشعور بالضياع.
تأكّد لديه هذا الشعور عندما اقترب امتحان الباكالوريا. في البداية شعر أنّه ولأوّل مرّة بعد الولوج إلى المرحلة الثّانويّة معنيّ بالعمل وبذل الجهد من أجل الحصول على الشهادة إلى أن فاجأه وزملاؤه أستاذ الفلسفة بسؤال : "ماذا تنوون أن تدرسوا في الجامعة؟ وما هو هدفكم من وراء هذا الاختيار؟"
إكتشف يومها أنّه يذهب ويعود من المعهد ويتفوّق في تحصيل العلم لكن دون هدف. إستمع إلى أجوبة زملائه وحاول جاهدا أن يختار منها ما يمكن أن يتناسب معه دون جدوى حتّى نطق أحدهم متفكّها: " أنا سأتخصّص في دراسة اللّغة و الآداب الأنجليزيّة لا لشئ إلاّ لأنّ الدّولة تتكفّل بنفقات السفر إلى بريطانيا والإقامة هناك طيلة فترة التّربّص الّغويّ المفروض على طلبة هذه الشعبة فأضرب عصفورين بحجر."
أنزل هذا الكلام على قلبه طمأنينة وأحسّ براحة نفسيّة بعدها حتّى تبنّى هذا الهدف كأنّه يثأر لنفسه من قلّة ذات يد والده الّتي حرمته من التّنقّل من الرّيف إلى المدينة. وها هو القدر يمكّنه من السفر من بلد إلى آخر بل من قارّة إلى أخرى دون أن يدفع فلسا واحدا .عقد العزم و النّيّة يومها أن يأخذ معه سجائره المحلّيّة الصّنع وحبّات عبّاد الشّمس السّوداء الّتي كانت وسائل التّرفيه الوحيدة المتاحة لأمثاله من الفقراء. لم يفهم إن كان بذلك يتحدّى الفقر أم أنّه كان يتشبّث به ولكنّها رغبة تملّكته عندها و أراد تنفيذها
انقطع حبل ذكرياته عندما أحسّ برجل عجوز وزوجته ينحنيان ويعتدلان ثمّ يعيدان نفس الحركات باستمرار أمام كرسيّه فانتبه إلى أنّهما كانا يلتقطان بأيديهما المرتعشة كلّما كان يلقي به على الأرض.
نهض مسرعا وأخذ يردّد عبارات الاعتذار في خجل وارتباك واضحين فنظرا إليه مبتسمين و أجابه الرّجل دون تفكير:" لا عليك فهذا المكان موطننا فيه ولدنا وتربّينا و درسنا وتعلّمنا ما لنا و ما علينا وفيه عشنا و سنعيش ما بقي لنا من أعمارنا و نظافته واجبة علينا نحن دون غيرنا فإن كان نظيفا عشنا في بيئة نظيفة و إن كان جميلا مزدانا ازدانت حياتنا، إن كان بخير نعمنا بخيره وإن أصابه سوء أُصبنا به لا محالة."
كان فريد يهمّ بمساعدتهما لكنّه توقّف و تجمّد فجأة ليس لتنفيذ ما اقترحه العجوز البريطانيّ بل لأنّه شرد من جديد وكأنّه يحاسب نفسه في صمت:"لماذا لم أشعر تجاه بلادي بما يشعران به تجاه بلدهما من واجبات؟"
أنا حتما أحبّ بلادي و أعشق سماءها و ترابها وهوائها وزدت تأكّدا من ذلك يوم غادرتها وأحسست بالاشتياق إليها بعد أيّام معدودة تماما مثلما اشتقت لأهلي فهل أنا مقصّر في واجباتي تجاههم أيضا أم أنّ كلّ تضحياتهم في سبيل إسعادي علّمتني الأخذ دون التّفكير في العطاء؟ هل يكون نكرانهم لذواتهم من أجل توفير احتياجاتي أعطاني حقّ إنكار كلّ ما يفعلون و التّركيز فقط على ما لم يقدروا على توفيره لي؟ "
"أجل،أجل هذا هو ما فعلت ببلادي فقد فكّرت بما يمكن أن أغنم به من تذكرة سفر و مصاريف إقامة بالخارج على نفقات الدّولة دون أن أفكّر بما يمكن أن أنفع به بلادي و أهلي."
"ترى بم كان يمكنني أن أتخصّص و أكون سندا لبلادي التي لم توفّر لي ما كنت أصبو إليه من رفاهية لكنّها لم تبخل عليّ بما أمكنها من مجانية تعليم وعلاج مثلا؟"
وثب فجأة على قدميه قائلا: "وجدتها، وجدتها! سأعود إلى بلادي أستاذا في اللّغة والآداب الأنجليزيّة و سيمكنني تدريس تلاميذي ما تعلّمته من هذين العجوزين من روح المواطنة و العطاء."
هدى بوكسّولة
هاهو أخيرا في لندن و"البيغ بان" إحدى عجائب الدنيا السبع أمامه و هاهو هدفه يتحقّق! لم يبق له إلا أن يشعل سيجارته المحلّيّة الصنع ويقشّر حبّات عبّاد الشّمس السّوداء التي حرص على اصطحابها معه من بلاده فهو لا يحسّ بالرّاحة إلّا بنفث دخان السّجائر أو تفل قشور حبّات عبّاد الشّمس من حوله.
اعتدل في جلسته على مقعد في حديقة عموميّة وأخذ يدخّن ببطء و متعة كبيرة فأخذته الذّكريات إلى أيّام المدرسة.
كان تلميذا نجيبا و مجتهدا في كل المواد التي درسها.منذ بداية حياته المدرسيّة وهو يحصد الجوائز و شهادات التقدير الّتي كانت تنبئ بمستقبل مشرق لطفل ينحدر من عائلة بسيطة على المستويين الماديّ و العلميّ.غير أنّ الأفق سرعان ما أخذ يضيق أمامه حالما تحصّل على الشهادة الابتدائية بتفوّق ولم يستطع أن يلتحق بمعهد ثانوي تدرّس فيه شعب علميّة رغم أنّ معدّله كان يخوّل له ذلك . فمثل هذه المعاهد لا توجد في قرية صغيرة كالقرية التي يعيش فيها مع أهله. كان عليه أن يستعمل وسيلة نقل ليسافر يوميّا بين قريته والمدينة أو أن يتنقّل ليعيش في مبيت بالمعهد. وفي كلا الحالتين كان عليه أن يدفع مقابلا مادّيّا لم يكن بإمكانه أن يدفعه. عجز عن فعل ذلك لقلّة ذات يد والده الذي أخذ يردّد ويعيد نفس الكلام كلّما ترجّاه ابنه أن يوفّر له معلوم التنقّل إلى ذلك المعهد أو المبيت فيه " مابها الشّعب الأدبيّة أليست فيها موادّ تدرّس وشها ئد تسند للمتفوّقين؟"
لم يكن أمام فريد سوى القبول بشعبة الآداب في معهد قريب من بيته يذهب إليه ويعود منه مترجّلا. كان يدرس وينجح دون تعب أو عناء. كثيرا ما كان أساتذته يثنون على ذكائه و تفوّقه وكثيرا ما كان زملاؤه يحسدونه على ذلك ولكنّه لم يكن يحس بطعم النّجاح و بلغ به الأمر حدّ الشعور بالضياع.
تأكّد لديه هذا الشعور عندما اقترب امتحان الباكالوريا. في البداية شعر أنّه ولأوّل مرّة بعد الولوج إلى المرحلة الثّانويّة معنيّ بالعمل وبذل الجهد من أجل الحصول على الشهادة إلى أن فاجأه وزملاؤه أستاذ الفلسفة بسؤال : "ماذا تنوون أن تدرسوا في الجامعة؟ وما هو هدفكم من وراء هذا الاختيار؟"
إكتشف يومها أنّه يذهب ويعود من المعهد ويتفوّق في تحصيل العلم لكن دون هدف. إستمع إلى أجوبة زملائه وحاول جاهدا أن يختار منها ما يمكن أن يتناسب معه دون جدوى حتّى نطق أحدهم متفكّها: " أنا سأتخصّص في دراسة اللّغة و الآداب الأنجليزيّة لا لشئ إلاّ لأنّ الدّولة تتكفّل بنفقات السفر إلى بريطانيا والإقامة هناك طيلة فترة التّربّص الّغويّ المفروض على طلبة هذه الشعبة فأضرب عصفورين بحجر."
أنزل هذا الكلام على قلبه طمأنينة وأحسّ براحة نفسيّة بعدها حتّى تبنّى هذا الهدف كأنّه يثأر لنفسه من قلّة ذات يد والده الّتي حرمته من التّنقّل من الرّيف إلى المدينة. وها هو القدر يمكّنه من السفر من بلد إلى آخر بل من قارّة إلى أخرى دون أن يدفع فلسا واحدا .عقد العزم و النّيّة يومها أن يأخذ معه سجائره المحلّيّة الصّنع وحبّات عبّاد الشّمس السّوداء الّتي كانت وسائل التّرفيه الوحيدة المتاحة لأمثاله من الفقراء. لم يفهم إن كان بذلك يتحدّى الفقر أم أنّه كان يتشبّث به ولكنّها رغبة تملّكته عندها و أراد تنفيذها
انقطع حبل ذكرياته عندما أحسّ برجل عجوز وزوجته ينحنيان ويعتدلان ثمّ يعيدان نفس الحركات باستمرار أمام كرسيّه فانتبه إلى أنّهما كانا يلتقطان بأيديهما المرتعشة كلّما كان يلقي به على الأرض.
نهض مسرعا وأخذ يردّد عبارات الاعتذار في خجل وارتباك واضحين فنظرا إليه مبتسمين و أجابه الرّجل دون تفكير:" لا عليك فهذا المكان موطننا فيه ولدنا وتربّينا و درسنا وتعلّمنا ما لنا و ما علينا وفيه عشنا و سنعيش ما بقي لنا من أعمارنا و نظافته واجبة علينا نحن دون غيرنا فإن كان نظيفا عشنا في بيئة نظيفة و إن كان جميلا مزدانا ازدانت حياتنا، إن كان بخير نعمنا بخيره وإن أصابه سوء أُصبنا به لا محالة."
كان فريد يهمّ بمساعدتهما لكنّه توقّف و تجمّد فجأة ليس لتنفيذ ما اقترحه العجوز البريطانيّ بل لأنّه شرد من جديد وكأنّه يحاسب نفسه في صمت:"لماذا لم أشعر تجاه بلادي بما يشعران به تجاه بلدهما من واجبات؟"
أنا حتما أحبّ بلادي و أعشق سماءها و ترابها وهوائها وزدت تأكّدا من ذلك يوم غادرتها وأحسست بالاشتياق إليها بعد أيّام معدودة تماما مثلما اشتقت لأهلي فهل أنا مقصّر في واجباتي تجاههم أيضا أم أنّ كلّ تضحياتهم في سبيل إسعادي علّمتني الأخذ دون التّفكير في العطاء؟ هل يكون نكرانهم لذواتهم من أجل توفير احتياجاتي أعطاني حقّ إنكار كلّ ما يفعلون و التّركيز فقط على ما لم يقدروا على توفيره لي؟ "
"أجل،أجل هذا هو ما فعلت ببلادي فقد فكّرت بما يمكن أن أغنم به من تذكرة سفر و مصاريف إقامة بالخارج على نفقات الدّولة دون أن أفكّر بما يمكن أن أنفع به بلادي و أهلي."
"ترى بم كان يمكنني أن أتخصّص و أكون سندا لبلادي التي لم توفّر لي ما كنت أصبو إليه من رفاهية لكنّها لم تبخل عليّ بما أمكنها من مجانية تعليم وعلاج مثلا؟"
وثب فجأة على قدميه قائلا: "وجدتها، وجدتها! سأعود إلى بلادي أستاذا في اللّغة والآداب الأنجليزيّة و سيمكنني تدريس تلاميذي ما تعلّمته من هذين العجوزين من روح المواطنة و العطاء."
هدى بوكسّولة
